نصر حامد أبو زيد
176
الاتجاه العقلي في التفسير
اللغة أفعلت الرجل نسبته . وإنما يقال إذا أردت هذا المعنى فعلت . تقول : شجعت الرجل وجبنته وسرقته وخطأته وكفرته وفسقته وفجرته ولحنته . وقرئ : ( ان ابنك سرق ) أي نسب إلى السرق . ولا يقال في شيء من هذا كله ، أفعلته ، وأنت تريد نسبته إلى ذلك . وقد احتج « رجل من النحويين » كان يذهب إلى « القدر » لقول العرب : كذبت الرجل وأكذبته . بقول اللّه تعالى : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ولا يكذبونك ، وذكر أن أكذبت وكذبت جميعا بمعنى : نسبت إلى الكذب وليس ذاك كما تأوّل ، وإنما معنى أكذبت الرجل : ألفيته كاذبا . وقول اللّه تبارك وتعالى : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف أي : لا يجدونك كاذبا فيما جئت به ، كما تقول : أبخلت الرجل وأجبنته وأحمقته ، أي وجدته جبانا بخيلا أحمق » 136 . وواضح أن الجدل والنقاش كان يجعل كلا الفريقين يعدل من موقفه وتأويلاته تفاديا لهجوم خصمه ، فالزمخشري يتخلّص من هذا المأزق اللغوي في الآية عن طريق اخضاعها لمقولة اللطف والخذلان فالضلال معناه « أن يخذل من علم أنه يختار الكفر ويصمم عليه وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ هو أن يلطف بمن علم أنه يختار الايمان : يعني أنه بنى الأمر على الاختيار وعلى ما يستحق به اللطف والخذلان والثواب والعقاب ، ولم يبنه على الاجبار الذي لا يستحق به شيء من ذلك وحققه بقوله وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ولو كان هو المضطر إلى الضلال والاهتداء لما أثبت لهم عملا يسألون عنه » 137 . والزمخشري إلى جانب ربطه بين أول الآية وآخرها ، يستغلّ مقولة اللطف استغلالا ذكيا ، ربما لم يكن معاصر وابن قتيبة أو السابقون عليه قادرين عليه . وفي مجيء اللفظ عاما يراد به الخصوص ، يتعرّض ابن قتيبة لآية سبق أن تعرض لها الفراء ، وأخذها على عمومها وهي قوله تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . أمّا ابن قتيبة فهو يخصص عموم الآية . يقول : « يريد المؤمنين منهم . يدلك على ذلك قوله في موضع آخر : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ 138 وفي استشهاد ابن قتيبة بالآية الأخيرة على أنها محكمة ، وهي عند المعتزلة متشابهة ، ما يؤكّد ما سبق أن قلناه من أن كلا الفريقين المعتزلة وأهل السنة قد حاولوا تقسيم القرآن طبقا لمعتقداتهم وأفكارهم ، فكل ما أيّد هذه الأفكار اعتبروه محكما ، وكل ما خالفها اعتبروه متشابها . وبذلك أصبح « المجاز » سلاحا للتأويل . ولذلك كله ليس غريبا أن يضع ابن قتيبة « العموم والخصوص » وهي مقولة فقهية في الأساس الأول ضمن أنواع المجاز .